عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

304

اللباب في علوم الكتاب

955 - وهنّ يمشين بنا هميسا * إن يصدق الطّير ننك لميسا « 1 » فقيل له : رفثت ، فقال : إنّما الرّفث عند النساء . فثبت أنّ الأصل في الرّفث هو قول الفحش ، ثم جعل ذلك اسما لما يتكلّم به عند النّساء من معاني الإفضاء ، ثم جعل كناية عن الجماع ، وعن توابعه . فإن قيل : لم كنّى هاهنا عن الجماع بلفظ « الرّفث » الدّالّ على معنى القبح بخلاف قوله وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 21 ] وقوله تعالى فَلَمَّا تَغَشَّاها [ الأعراف : 189 ] ، وقوله عزّ وجلّ : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] وقوله عز وجل : فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [ النساء : 23 ] ، وقوله عزّ وجلّ : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ وقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ البقرة : 237 ] وقوله تعالى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [ النساء : 24 ] وَلا تَقْرَبُوهُنَّ [ البقرة : 222 ] . فالجواب : أنّ السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإجابة ؛ كما سمّاه اختيانا لأنفسهم ؛ قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - إنّ اللّه سبحانه وتعالى حييّ كريم يكنّي ، كلّ ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرّفث ، فإنما عنى به الجماع « 2 » . فصل في بيان سبب النزول ذكروا في سبب نزول هذه الآية : أنه كان في أوّل الشّريعة يحلّ الأكل والشّرب والجماع ليلة الصّيام ، ما لم يرقد الرجل ويصلّي العشاء الأخيرة ، فإن فعل أحدهما ، حرم عليه هذه الأشياء إلى اللّيلة الآتية ، فجاء رجل من الأنصار عشيّة ، وقد أجهده الصّوم ، واختلفوا في اسمه ؛ فقال معاذ « 3 » : اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة ، وقال عكرمة : أبو قيس بن صرمة « 4 » ، وقيل صرمة بن أنس . فسأله « 5 » النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم وبجّل وعظّم عن سبب ضعفه ، فقال : يا رسول اللّه ، عملت في النّخل نهاري أجمع ، حتّى أمسيت ، فأتيت أهلي لتطعمني شيئا ، فأبطأت ، فنمت فأيقظوني ، وقد حرم الأكل ؛ فقام عمر - رضي اللّه عنه - فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أعتذر إلى اللّه وإليك من نفسي هذه الخاطية ؛ إنّي رجعت إلى أهلي بعد ما صلّيت العشاء ، فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي ، فجامعت أهلي ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ،

--> ( 1 ) ينظر : اللسان « رفث » ، والدرر 1 / 199 ، الدر المصون 1 / 474 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 487 - 488 ) عن ابن عباس - وذكره البغوي في « تفسيره » 1 / 157 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 5 / 89 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 157 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 157 .